الكرامة.. واللحظات الفلسطينية المفتوحة على يقين البقاء

عدد القراءات : 220 offer

د.عبدربه العنزي في هذه اللحظة الفلسطينية، كل شيء يتهيأ إلى ذاكرة التاريخ، قبل أكثر من نصف قرن تقريباً، كان الوجع منصوباً فوق كل عنق فلسطيني، كانت انطلاقة الثورة الفلسطينية هي اللحظة الحاسمة، هي اللحظة التي امتشقت أحداثها على حافة المغامرة ومفترق الطريق، كان الحلم الفلسطيني يخرج إلى شوارع المخيمات في صورة قديس وزيتوناً وأقواس قزح. كانت لحظة فارقة، تفاصيلها تتوهج بالثورة، والاشتعال، تبشر بزمن فلسطيني تتغير فيه اليد المرتعشة من البرد والتشريد الى زند يحمل المدفع والرشاش والبارود، انها لحظة إغراء الأرض للدم النقي، لحظة قابلة لتحقيق النصر، والخروج عن نص الهزيمة، والانحياز إلى دائرة الضوء، والهروب من أخدود الملح إلى صحوة التحليق، كانت اللحظة عروساً في وسط مأتم الهزيمة العربية، كانت مقتضى العقل والشجاعة، كان الشرق بحاجة إلى استجماع كرامته التي طحنت تحت اللكنة العبرية الطارئة، كانت اللحظة التي دافعت فيها فلسطين عن أرضها من جديد، وقامت تذكر العالمين بأن مواسم الخصوبة لم تنته، كشفت لنا هذه اللحظة أن الصبح ليس ببعيد، كان الدم يقطر من جسد فلسطين، فكان "الكي بالرصاص" الحل لوقف النزيف. قبل نصف قرن كان بدء اللحظة، كانت شرطاً من وعد الله أن المرابطين على أرض الاسراء قائمون وثائرون وحالمون وفي كل أذن للخارجين كرهاً من حدود الوطن. كان صوت جبريل يهمس: "يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال"، فكان لا بد للحظة أن تولد مقاتلين من نوع فلسطيني بإمتياز. كانت لحظة الكرامة غير مختلفة عن سياق المراحل التي تلت، كانت رمزاً مكثفاً من رموز العشق الصوفي بين الانسان المطرود، وبين تراب اعتاد أن يطرح زيتوناً وسنابلاً ونكهات قهوة عربية وفرساناً وحطيناً وجالوتاً وأجناديناً، كانت اللحظة مهمة لإغلاق حوانيت اليهود المهاجرين الذين يبيعون قوارير الموت للعرب، للذين يصرون أن يغلقوا ذاكرتنا ويعلنونها للبيع في مزاد علني. إنها اللحظة التي دفعت العدو الصهيوني الى مأزقه التاريخي، اللحظة التي ثقبت سقيفة وعد يهوه لإبراهيم، اللحظة التي شقت بعصاها حلم اليهود إلى نصفين وأكثر، وأسقطت عليهم احتمالات الغرق في الدم الذي سفكوه، اللحظة التي صرخ فيها الفرسان بحد سيوفهم فوق قارعة المستوطنات المدججة بالأسلاك الشائكة والبنادق المخبأة خلف أبراج المراقبة، إنها لحظة التوازن والتهيؤ للانتصار، ورفض السيف المصنوع في عواصم الثلج والعيون الزرقاء. كانت لحظة الجبل. وياسر وخليل وصلاح. واحمد وماجد وعبدالفتاح وممدوح وصخر، والأطفال، والمطر، والشمس، والأقمار، والإشارة الاولى. كانت اللحظة التي توزع المقاتلون فيها على أطراف الوطن، وقرب ساحة الاقتحام، لحظة تجهيز الصواعق، ورسامو خريطة العودة على مواقع قبورهم، إنها اللحظة الفاصلة بين الاكراه في الخروج من الوطن والتحفز لصناعة ميلاد جديد، صدى صفير الا ر بي جي، ومعركة المشاة والسرايا الطلابية وقناديل يافا، وبرقيات أبو عمار على جهاز اللاسلكي. كانت اللحظة التي مرت فيها أقدام الاشاوس حيث ينصب الموت فخاخاً لا متناهية لأجساد الشباب الميامين، خيول آتية من سهول برج بن عامر. انها لحظة الرصاصة التي امتدت حتى لحظة الحجر. إلى أن تمكن هؤلاء الذين كتب لهم أن يرحلوا، فإذا بهم يعودون من كل فج عميق. إلى هنا..إلى فلسطين.

ألبوم الصور

لجنة العلاقات العامة - نقابة العاملين